مذكرة الحكومة اللبنانية إلى مجلس الأمن الدولي حول التهديدات الإسرائيلية للبنان
المصدر: "الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1970، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، مج 6، ص 151 - 152

مذكرة الحكومة اللبنانية إلى مجلس الأمن الدولي حول
التهديدات الإسرائيلية للبنان.

بيروت، 18/ 3/ 1970

 

(النهار، بيروت، 19/ 3/ 1970)

         كانت الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على الأراضي اللبنانية والتي استهدفت المدنيين الآمنين، موضوع المذكرة التي قدمها مؤخرا مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن.

         ونحن نرى اليوم، بالإضافة إلى تلك المذكرة، وبقطع النظر عن الاعتداءات الإسرائيلية الجديدة، أن الواجب يدعونا إلى أن نلفت انتباه العالم مجددا ولا سيما الدول الكبرى، التي فضلا عن كونها أعضاء دائمة في مجلس الأمن، فهي مسؤولة عن المحافظة على الأمن، وبالتالي عن تدارك كل اعتداء.

         ان ما يهمنا اليوم بصورة خاصة، ان نكشف للملأ بصراحة ووضوح، الدعاية الإسرائيلية القائمة على المكر والخداع التي أخذت في الأسابيع الأخيرة تطلق الاتهامات والتهديدات للبنان من أجل تبرير اعتداءاتها عليه أمام الرأي العام العالمي، بحيث تعتبر أعمالها العدوانية، بمثابة أعمال انتقامية ضد لبنان، بسبب النشاط الذي يقوم به الفلسطينيون في الأراضي اللبنانية.

         والحقيقة التي طالما أعلناها، هي أن لبنان ليس مسؤولا، ولا يمكن اعتباره مسؤولا، عن وجود ثلاثمائة ألف لاجئ فلسطيني يقيمون في أراضيه، بعدما شردتهم إسرائيل من أرضهم ووطنهم.

         ومن جهة أخرى، فلا يمكن ان يكون لبنان مسؤولا كذلك عن قيام أولئك اللاجئين، أو بعضهم، بحمل السلاح والقتال ضد الذين شردوهم من ديارهم، بعدما يئسوا من استعادة حقهم بل بالعودة إلى وطنهم.

         ان إسرائيل هي في الحقيقة والواقع المسؤولة عن ذلك كله، بعدما رفضت تنفيذ مقررات الأمم المتحدة، ولا سيما تلك المتعلقة بحق الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم المغتصبة.

         ولا بد من التأكيد هنا، ان على إسرائيل بعدما رفضت تنفيذ مقررات الأمم المتحدة، سواء ما اتخذ منها قبل حرب الخامس من حزيران (يونيو) 1967 أو بعدها، مع ما يترتب على عدم التنفيذ من نتائج، ان تتحمل كامل التبعة، هي وكل بلد آخر، يدعمها مباشرة أو غير مباشرة. ولا يمكن بالتالي وفي أية حال من الأحوال، ان تلقى المسؤولية على عاتق لبنان.

         وليس ثمة شك في أن هذه الحقائق والوقائع، لا بد وان تلقى صدى في ضمير كل البلدان وكل الناس ذوي النيات الحسنة. ان هذه الحقائق تظهر للعالم أجمع ان إسرائيل، التي ما زالت تمعن فتكا في ضحاياها العرب الذين شردتهم، تحاول الآن إدانة لبنان بعدم إجهازه على هؤلاء الضحايا والقضاء عليهم نهائيا، أو بعدم لجوئه إلى العنف ضد أولئك الذين أقدموا نتيجة للعنف الإسرائيلي الماحق، على استخدام العنف أسلوبا من أجل العودة إلى وطنهم.

         وثمة طريقة أخرى لإظهار هذه الحقائق ولتحديد المسؤولية الأصلية بالنسبة إلى ما تشكو منه إسرائيل. فقد كان يكفي إسرائيل أن تحترم الحق الدولي ومقررات الأمم المتحدة، ولا سيما مقررات مجلس الأمن، لجعل الاضطرابات تتوقف على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية ولاعادة السلام إلى المنطقة كلها، السلام الوحيد الممكن القائم على العدل.

         ان القوانين الخاصة بمعظم الدول تعترف بمبدأ وتكرسه، هو المبدأ الذي يعبر عنه المثل القائل بأن "ليس لأحد ان يدعي حقا يقوم على سوء تصرفه"، أي أنه ليس لأحد أن يستمد حقوقا جديدة ومبررات جديدة من نتائج ظلم اقترفه هو، والمبدأ عينه هذا يفرض نفسه في العلاقات الدولية: فلا يحق لأحد والحالة هذه ارتكاب اعتداء جديد بحجة الدفاع المزعوم عن النفس ضد ضحايا عدوان ارتكب في الأساس ثم تكرر مرارا.

         وهنا نرى من واجبنا أيضا، أن ننبه مجلس الأمن، إلى وجه آخر من المشكلة.

         ان إسرائيل، بتهديداتها واعتداءاتها المتكررة تريد حمل لبنان على إرغام الثلاثمائة ألف لاجئ فلسطيني المقيمين في أرضه، على القبول ببؤس التشريد، وإلا تعرض هو نفسه لاعتداءات إسرائيلية جديدة.

         وهكذا، يكون جل ما تسعى إليه إسرائيل، تدمير لبنان، من الخارج أو من الداخل، وذلك بجعله أمام أحد أمرين: أما التعرض للغارات الإسرائيلية على الأراضي والسكان، وأما ممارسة سياسة من العنف الدائم ضد إخوانه المقيمين فيه وبالتالي مواجهة نزاع داخلي.

         وكان من نتيجة هذا المأزق أن تعرض لبنان مؤخرا لأزمة سياسية استمرت سبعة أشهر، تعود أسبابها الحقيقية إلى إسرائيل. وها هي إسرائيل تحاول اليوم من جديد

<1>